زياد الخزاعي*

ترعرع الإيطالي العراقي حيدر رشيد (1985) بين مهاجرين ونازحين ومتغرّبين كُثر (أنا واحد منهم)، أغلبهم أهل صنعة إبداع، من فنانين تشكيليّين ومسرحيّين وكتاب وصحافيّين. يملكون حكايات خيباتهم السياسية، وهموم توطينهم الملّتبس، وغضب فرصهم المغدورة، وشجن خساراتهم التي تتوالى في حياتهم كقدر وحشي لن ينتهي، أو على الأقل لن يبور.

هؤلاء نخبة متحزَّبة وغارقة في أيديولوجياتها منذ إدبارهم من فاشية تبعيث عراقية دموية. أحاطت بوالد حيدر المسرحي (أولاً وأخيراً) عرفان رشيد ووالدته القادمة (أو المهاجرة) من الجنوب الإيطالي البهيّ. تقاطع أفراد هذه الصفوة مع والدين مجالدين، تساكنوا قربهما في مدينة فلورنسا، تشاركوا وإياهما في شواغل نضال يوميّ مُضْن. بعضهم، هجَّ لاحقا الى بلدان وقارات أخرى، فيما هَجع أخرون الى خصوم متخيَّلين من أزلام مخابرات نظام، يمرون في كوابيسهم، ويقضون مضجعهم، ويقربوهم من مسّ مريع لتهويمات إغتيالات وملاحقات وتعذيب وتسفيرات وإعتقالات، ظلت مورداً خصباً لجلسات عَوْلَة مزمنة، تُداور مواهب منحسرة ومشاريع خاسرة ومناكفات سوريالية.

توازى هذا العالم مع نشأة الإبن حيدر. يسمع قصصها ويرتب خيالاتها. يحفظ وجوه عابريها، ولن يسُلُوّ توصيفاتهم. قبل أن تصبح القراءة ديدنه. تعلَّم ـ جوانيّاً ـ نُظُم الحكيّ، متحصّناً بصمته وحيائه وفضوله. وهو أمر سيقوده حتما الى السينما بدلاً من مغامرات كتابة شعر أو رواية أو مسرحية. فالفيلم وسيط ديناميكيّ وشعبيّ ذو قوة درامية تأثيريّة لا تُضاهى، وقدرة مشهديّة على تطويع ما خزنه بشأن “مهاجريّ دارة رشيد” وبلاياهم التي تجسدت في باكورته “المحنة” (2009) عن كُرْبَة إبن كاتب عراقي ذائع الصيت، إثر تلقيه، وهو في مهجره البريطاني، خبر إغتيال والده في بغداد. في حين، يوسع شريطه الثاني “مطر وشيك” (2013) من جغرافية إهتمامه بـ”غرباء إيطاليا”، جاعلاً من حكاية الشاب سعيد مهران الجزائري الأصل، ورفض السلطات تسهيل إقامته، نعوة دراميّة حزينة، هي أقرب الى مانيفيستو مسيَّس حول نفاق أوروبا ولا تراحمها.

هذه الأخيرة، تتحوَّل في جديده “أوروبا”، الذي عُرض ضمن النسخة الـ53 لتظاهرة “نصف شهر المخرجين” في الدورة الـ74 (6 ـ 17 يوليو 2021) لمهرجان كانّ السينمائي، الى بلاء ضميري يتعلق بإستحقاقات سبيل شاق وعدائيّ، يفترض أن يُوصل اللاجىء/ المهاجر/ النازح/ المغترب الى “حياة جديدة” وأمانها، تُنهي يأسه وجزعه وترهيبه ومحاولات تدجينه.  بيد أن هذا “السبيل” بلا شاكلتين، تحددان وجهة معيَّنة الى قلب تلك الـ “أوروبا” (يوروبا في الأصل) العصيّة على المنال. يصبح التيه حول السبيل مفتوحاً على بريّة، تستعمرها كائنات فظّة وعرقيّة ودمويّة. من هنا، فإن البطولة في شريط رشيد لا تتحقق لصالح شخص/ بطل بل الى نظام ايكولوجي، يصنع الوقائع والمساحات والشخصية الفريدة التي تُدعى كمال (إداء لافت من أدم علي) الذي نراه طوال فراره “داخل” عالم نباتي، يُرغمه على طباع حيوانيَّة عفويَّة، بدءاُ من حيطته وردَّ عدوان مطارديه الى تأمين لقمته، ولاحقا كّره ضد مهاجميه، وأخيراً تحصّنه في رحم طبيعي يحفظ له أخر مساحة وجوديَّة.

منذ المشهد الإفتتاحي، يعلن النصّ ولاءه الى كائنه الوحيد ولا خصوصيته. هو إنذار بشريّ حول خشيَّة مبرمة، تتعلَّق بأفول رأفتنا وموت موداتنا. هو إيضا كيان أدّبي مكثف وتجريبي، أنقذ شريط “أوروبا” من الوقوع في شراك سرديّة تقليديّة وخطابيَّة كتلك التي أختارها رشيد في فيلميه المبكرين. هنا، إنتخب موضوعاً إنسانياًّ واسع الفاعليّة، لا تحدَّه صفات جغرافيا أو عنصر أو منبت(أقرب نموذج له هو شريط التونسي علاء الدين سليم “أخر واحد فينا” (2016)، وشديد التماس سينمائياً من عمل الصربي ستيفان أرسينفيتش “أسير الى أبعد ما أستطيع”، 2021). يرغم مشاهده على أن يتفرَّس جيداً في سماوات وظلمات وظلال وعناصر كون يتفجَّر بعظمته وأبديته التي تلفّ شاباً محاصراً، مثلما عليه أن يوثق حسّيّاَ كل حركة يؤديها، وكُلّ زفرة يُطلقها. أن يراقب ردود أفعاله وتلَّوناتها، تقلُّصات جسده وإيماءاته. أن يحسب معه عثراته وهو يخطو على تراب غريب، يجد فيه دخيلاً موبوءاً يجب “إلغاؤه”، وعدم السماح له بتدنيس طهارة البلقان(في لقطة متأخرة، يدوَّن البطل على صخرة ما يمكن إعتباره وصيته “كمال 2020”). يصرخ رجل ملثَّم في وجهه خلال هجوم أول: “أوروبا لا. عد أدراجك”.

لا يبتعد كمال وأقداره عن صورة نمطيَّة لمهاجر هارب من عسف وجور وفآقة. يعبر الحدود، بتواطؤ من مهربين قساة النيَّات، متوجهاً الى ما يفترض بها قارة قانون ولِين، إلا إن ما يتربَّص به ومجموعته، يعرضهم الى إرهاب أخر على يد جماعات مسلحة بلغارية، تراقب الغابات على طول الحدود مع تركيا، يدعى أزلامها بـ”صيادي المهاجرين”. ما يصوغه رشيد (بالتعاون مع سونيا جانّيتّو) بعد مشهد ليليّ حالك من 7 دقائق لصفقة عبور، تجري تحت تهديدات رجل عبوس ومتعجل لإستلام مبالغ التهريب، ووشاية بدر خؤوون، ونصيحة لن تتحقق: “أيّ شي يصير، اِحنه نصعد للجبل، لإن هناك الشرطة ما راح تشوفنه”، هو ترتيب تشكيلي تتابعي، غامر في عناصره المرئية، لإفلات كمال من إبعاد محتوم. تتم جميع فصوله كعقاب وحشي على جسارة أجنبي وإختراقه الحواجز. تتبدَّى تلك البسالة وسماً بصّرياً لكفاح شاب يتلافى أن يصبح طريدة أزليّة ومُحقَّرة.

حين يعدو كمال نحو اللا وجهة، إنما يخطّ على أرض أوروبا درب جُلجُلته الموصل الى ملاذ هلاميَّ، ويوكد على إزدواجية سياسيّها ومسؤوليها، ولًبْسَة قراراتهم إزاء طالبي اللجوء والهجرات. من هنا، تصبح الغابة وسطاً ممسرحاً ثنائيّ الحيّز. من جهة، تُحيط الطبيعة البَتُول بالبطل الشاب ككيان بريّ، تحرسه وتمدّه بمؤونة (نراه يجمع زعروراً في منديل أبيض طُرز عليه دعاء “حظاً سعيداً”!)، وتقدم له سُتْرَة عن أعدائه (توارّيه بين أغصان شجرة أوأحراش متنوعة)، وتُحرَّضه على إحتراز وإقدام (عراكه مع أحد المسلحين المقنعين وقتله). من جهة مقابلة، كُلّ مكان مغلق، وهما إثنان، يدخله كمال يصبح معادياً ومُنْذِراً وغدّاراً. حين يفلح في الوصول الى طريق جبليّ منعزل، يصادف سيارة تقودها سيدة بلغارية موتورة (سفيتلانا يانشيفا). يستعطفها بكلمة “مستشفى”، غير إن مرور أحد صيادي المهاجرين، ومحاولة تخفّيه عن أنظاره، يعظمان مخاوفها من الأجنبي، قبل أن تطرده وتلفظه من “أمانها”. أما في الكوخ الغابي، يتعرض الشاب الى هجوم من صاحبه العجوز الذي لم يتريث في معرفة هوية “ضيفه”، وإن دقَّق صورة جواز سفره مع سحنته لسبب لن يُبيَّنه الشريط، متَّخذاَ قرار نقله الى وجهة تبقى غامضة حتى المشهد الختامي. أرض العداوة الأوروبية لا ترحم، أو على الأقل لم تعد تستفسر أو تتحقَّق، وهي إشارة بليغة يكرسها صمت المسلح العجوز الذي نراه لاحقا ناقلاً “طريدته” نحو مصيرها السرمدي، غافلاً عن عمد أو إستغباء، ذلك الإعتراف المُغْتَم لليافع، وهو يهمس بـ “قتلت إنساناً”.

******

شخصيات شريط “أوروبا” شبه صامتة، وحواراتها شحيحة. هذه فضيلة إخراجية، مهدت الى جرأة أسلوبية، تفتقر لها الحكاية العامة للنصّ، طالت في المقام الأول خيار التصوير الذي أنجزه بدراية لافتة ياكوبو ماريا كارميلا، حيث تصبح اللقطة المقربة (كلوز أب)، التي خصّها المعلم الفرنسي جان لوك غودار بتعريف إنها “تجعلنا نشعر بالقلق إزاء الأشياء التي نُبصرها”، وسيلة شحن عاطفي وإستفزازي لوجه كمال الملتاع،  وتفخيم حالة روع تخترق كينونته وخياراته وإيمانه العائلي المتجسد بقوة فذه عبر ترديده كلمة “أمي… يا حياتي”، وهي أخر ما ينبس به في مشهد النهر الذي يغلق الشريط المتوسط الطول (72 د). الى ذلك، أَلَحَّ الثنائي رشيد/ كارميلا على تحاشي لقطات وجهات نظر بطلهما، أيّ ما تراه أو تراقبه أو ترصده عيناه، إذ إن ما نتابعه هو رؤية مسبقة التخطيط والبناء الى إيام أخيرة عصيبة في حياة مهاجر غير شرعي، تتوجه سهامه الى ضمير مشاهد عالمي محاصر، منذ سنوات، بأخبار فواجع هجرات وفظاعاتها ووحوشها، وتحشيد إعلامي مقنَّن وشعبوي ضد لا شرعية قدوم غربائها الى القارة العجوز وبلدانها المرفهة. عليه، فـ”أوروبا” فيلم بلا فضول، لإنه بلا غموض. بطله روح منكوبة، تسير على سّرَاط جهنمي، تحرسها أصوات الطبيعة وضجيجها، وتحكم سراها حُجية الطريدة التي تسوقها نحو “عقاب” بلا خاتمة، حيث ان العسف السياسي وقمعه أزليان، وترهيب أزلامه وطوائفه وأعراقه متجذر في أرض منهوبة الحريات سلفاً.
“أوروبا” هو شريط تمكين سينمائي لمخرج شاب، وجد أخيرا مفاتيح إشتغالاته المستقبلية وهويته تقنياته التي تنتصر الى بساطة سردية وإنسيابيتها، وتحتفي بصمت كوني مبجل ويقينياته، وتتقوى بالتفاصيل وفطنتها بديلاً عن ندرة الدراما وتكديس أحداث مفتعلة وبلا طائل.

ناقدٌ سينمائي يُقيم في لندن
عن موقع:
cinematechhaddad.com