الثقافيّة – مهرجان كان السينمائي الدولي –

أحمد شوقي*
 
بحضور عربي متنوع في الأفلام ولجان التحكيم وسوق الأفلام، اختتمت فاعليات الدورة الرابعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي الدولي. وبالرغم من أن العنوان الأبرز قبل الانطلاق كان مشاركة الفيلم المغربي نبيل عيّوش «علّي صوتك»، والذي يمكن اعتباره – بعد المشاهدة وبكل المقاييس – عملًا هامشيًا في مسيرة مخرجه الموهوب، فإن الحدث الأبرز مع الختام كان بالتأكيد حصول فيلم المصري عمر الزهيري «ريش» على الجائزة الكبرى في مسابقة أسبوع النقاد، وحصوله أيضاً على جائزة «الرابطة العالمية لنقاد السينما».

الجائزة الرسمية، التي تأتي في العام التالي لحصول «ستاشر» لسامح علاء على «السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصيرة» في العام الماضي، تشير بالتأكيد إلى تغيير يحدث بهدوء في السينما المصرية، ببروز جيل من الشباب الموهوبين أصبحوا أكثر اطلاعاً على سينما العالم، تحرروا من نمطيات السرد الحاكمة للفيلم المصري، وقيود التمويل التي تحاصر خيال المبدع، فأتت النتائج في صورة أفلام مختلفة ومقدّرة.

أوروبا.. ورحلة الهجرة إلى الداخل

بعيدًا عن الجوائز والمنافسات، وعن فيلمي الزهيري وعيّوش، فإن مهرجان «كان» قدم لنا هذا العام عدة أفلام لمخرجين عرب تستحق الاهتمام، سنمرّ على ثلاثة منها في هذا المقال. وفي صدارتها «أوروبا» للمخرج الإيطالي العراقي حيدر رشيد، والذي عُرض في قسم «نصف شهر المخرجين».
هل هو مجرد فيلم آخر عن الهجرة غير الشرعية (أو غير الموثقة حسب المصطلحات الحقوقية)؟
الحكاية عن شاب يخوض رحلة التسلّل إلى أوروبا عبر الحدود التركية البلغارية، متعرضاً إلى ما في هذه الرحلة من أخطار ومخاوف. التلخيص المخل الذي يعطي انطباعاً بأنّه واحد من عشرات الأفلام التي تناولت القضية وقتلتها بحثاً، بل وأساءَت إليها أحياناً من فرط سذاجة التناول وسطحيته. لكن حقيقة الأمر أنّ تجربة فيلم «أوروبا» أهم وأعمق بكثير من كل ما سبقه. بصورة تجعله وفيلم آخر قبله هو «آخر واحد فينا» للتونسي علاء الدين سليم، العملان الأكثر اكتمالاً في تناول الجانب المجرّد لفكرة التسلل عبر الحدود: كونها رحلة في الداخل قبل أن تكون في الخارج.
صحيح أن البطل (آدم علي) يخوض متاعب الرحلة، من استغلال المهرّبين، ومطاردة المتعصبين «صائدو المهاجرين»، كما يطلقون على أنفسهم، وصولاً إلى الخطر الطبيعي المتمثل في أرض جديدة بجغرافيا مجهولة يتيه فيها كأنه الإنسان الأول في العالم.
إلاّ أنّ الجانب الأهم للرحلة هو اكتشاف الذات ومساءلة القدرات الجسدية والنفسية، وهي رحلةٌ يجعلنا حيدر رشيد نقطعها عبر سرد الفيلم كاملًا من وجهة نظر بطله، فنخوض معه رحلته ونجد أنفسنا في كل لحظة متماهين مع ما يخوضه، متسائلين حول قدرتنا على الصمود، تماماً كما يُسائل الفيلم قدرات البطل فلا يجيب أبداً بالنفي أو بالتأكيد.
تغدو رحلة التسلل إلى القارة العجوز مرادفاً لرحلة الإنسان على الأرض: ركضٌ ولهاثٌ ومحاولةُ نجاةٍ تلي الأخرى، مع لحظات راحة عابرة يعلم البطل – والإنسان – أنها لن تدوم. والحقيقة المؤلمة التي ندركها ضمناً أنّ بلوغ الهدف لا يعني أيّ ضمان للسعادة أو حتى النجاة، هي مجرد نهاية لمرحلة وبداية لرحلة جديدة من المعاناة.

مجنون فرح.. وآية النمطية المعكوسة

ثاني الأفلام المهمة هو ئ«مجنون فرح» للتونسية ليلى بوزيد، المخرجة التي لفتت الأنظار بفيلمها الأول «على حلّة عيني» قبل أن تعود ليختار «أسبوع النقاد» في «مهرجان كان» فيلمها الجديد ليكون فيلم ختام الأسبوع هذا العام.
الثقافة واللغة والجنس والبعد الطبقي هي محاور فيلم بوزيد الذي يروي حكاية حب غير مألوفة الشكل بين فتاة تونسية تنتقل إلى باريس من أجل الدراسة في جامعة السوربون، وزميلها، جزائري الأصول، ابن العاصمة الفرنسية المنحدر من طبقة اجتماعية أقل، فرضت عليه نوعاً معيناً من الثقافة المحافظة التي نشأ عليها داخل الحي ومع الأصدقاء.
يظهر ذكاء النص من الاختيارات التأسيسية المناقضة للصور النمطية، فالأنثى فرح الآتية من العالم العربي هي الأكثر تحرراً وانفتاحاً على الحب والحياة، بينما أحمد، الذكر، الباريسي هو الطرف الممزق بين جذور تشبّع بها مجتمعياً وواقع مناقض لها. يُضاف إلى ذلك بعدٌ إضافيٌّ ينطلق من مفارقة كون الطرف المتمسّك بالتقاليد يجهل اللغة المؤسسة لهذه الجذور، بينما من تجيد العربية هي الطرف الذي لا يُضفي عليها أي قداسة، بل على العكس تجد فرح فيها حساً إيروتيكياً يتجسد في الشعر الكلاسيكي الذي يدرسه كلاهما في الجامعة.
الفيلم كثيف بالأفكار، وعلى النقيض من «أوروبا» الذي يضع مشاهده في خضم رحلة حسيّة ويترك له التفاعل والتفسير، يهتم «مجنون فرح» بتوضيح مستويات تأويله وطرح أفكاره بشكل يلامس المباشرة. الأفكار في فيلم ليلى بوزيد محمولةٌ فوق قاطرة الدراما دون غطاء، كل تطورٍ في الحكاية يصاحبه سطرٌ يضاف إلى جدل الأفكار المطروحة؛ ليكون الفيلمان وجهي عملة الفن الجيد: بعضه صريح وبعضه يكتفي بالتلميح.

البحر أمامكم.. والمدينة المسمومة خلفكم

أما ثالث الأفلام التي تستحق الاهتمام فكان «البحر أمامكم»، الفيلم الطويل الأول للمخرج اللبناني إيلي داغر بعدما نال السعفة الذهبية للأفلام القصيرة عن فيلمه السابق «موج 98»، ورغم الفروق الشكلية بين العملين، فقد كام «موج 98 » فيلم تحريك قصير، فيما الفيلم الجديد روائي طويل، إلا أن الموضوع واحد في التجربتين: بيروت، المدينة التي صارت حملًا خانقًا لأهلها، تارة لتحلّله وصعوبة العيش فيه، وتارة لاستحالة التخلص من أسره وبدء حياة جديدة خارجه.
في الفيلم تعود جينى (منال عيسى في أداء مؤثر كعادتها) إلى بيروت بعد سنوات من الدراسة والعمل في باريس، تعود كما سافرت، بلا إنجاز أو طموح أو رؤية للمستقبل، فتعيد علاقتها مع حبيبها السابق الذي يعمل في وظيفة متواضعة في الصباح ويعيش حياة بوهيمية في المساء.
علاقة تبدأ الظهور فتمنح الحيوية لجينى، قبل أن نكتشف كونها الوجه الآخر لعلاقته المسمّمة بالمدينة: كلتاهما بها بعض الخصوصية واللحظات العذبة، لكنها علاقة مُعطلة تقيّد جينى وتمنعها من الانطلاق والتحقق. قيود لا سبيل للتحرر منها سوى بالتخلص من الطرف الآخر، بقتل المدينة والحبيب. لكن هل يمكن أن يكون هناك مستقبل بعد فعل القتل؟ يُترك الأمر متروكًا لتخيّلاتنا.
الأفلام الثلاثة ترسم في مجملها، خاصة لو أضفنا إليها خصوصية فيلم «ريش»، صورة مؤثرة لسينما عربية جديدة جادّة، يصنعها جيل قد يعاني من أزمات أحمد الثقافية والاجتماعية، ومن علاقة جينى المشوهة بالوطن، إلا أنه يخوض رحلته ويكتشف صوته على طريقته، حرًا قويًا مثل فرح، ومثل كمال، بطل «أوروبا» المهاجر المجهول سواء وصل غايته أو لم يصل.

أحمد شوقي*
ناقدٌ سينمائي مصري ومنظّم مهرجانات وتظاهرات سينمائية