بولونيا ( إيطاليا ) – ( الثقافيّة ) –

الدكتور کاصد محمّد*

لعلَّ من أهمّ ما يميّز المسيحيّة هو اعتمادها في تعاليمها الدّينيّة على الفنون، كالرسم والنحت والموسيقى، من أجل نشر تلك التعاليم أو تخليد شخوصها المقدّسة، أو في طقوسها الدينيّة. وهو إرث تبنته المسيحيّة بعد أنْ ورثته عن العصور الكلاسيكيّة، الأغريقية واللاتينية، المتعدّدة الآلهة.

ولو حرّمتِ الديانة المسيحيّة تلك الفنون المختلفة، لكان لكلّ هذه الفنون اليوم مصير مختلف ولا شك، ولكان لتاريخ الجمال مسار آخر. فهي تستخدم الموسيقى والغناء في طقوس الصلاة وتمجيد الخالق، في حين تلجأ إلى النحت من أجل تمجيد الشخصيات الدينيّة. أمّا الرسم فقد كان المفصل الأساسيّ في نشر قصص وتعاليم الدين في الوقت الذي كان فيه معظم السكان لا يجيدون القراءة والكتابة. لهذا السبب فإنّ قصص الخلق وأنبياء العهد القديم وقصص المسيح وتلامذته وكذلك القديسين ومعجزاتهم وما إلى ذلك، كلّها كانت، وما زالت شاخصة إلى اليوم، تُمثَّلُ بالرسم. وهذا ما يجعل معظم الكنائس اليوم، في أوربا على الخصوص، أشبه بمتاحفَ مصغرة، تحوي أحيانًا على أعمالٍ باهرة لفنانين عظماء. والحقيقة فقد كانتْ تلك الرسومات تتعدّى الجانب الديني بالنسبة للفنّانين، إذ كانوا يظهرون فيها براعتهم ومهارتهم في الفن، ويطوّرون قدراتهم الفنّية مع مرور الوقت، كما كانوا يفعلون مع اللوحات الدنيويّة.

ومن ظواهر الرسم الديني في المسيحيّة ما يسمّى بالـﭘوليتّيكو، وهو عبارة عن مجموعة لوحات يضمّها إطارٌ واحد، للمسيح وأمّه العذراء وقدّيسين مختلفين. والإطار، في الحقيقة، هو بحدّ ذاته تصميم فنّي غاية في الجمال، والأجدر أنْ نقول نحت من الخشب، يشتمل على تصاميم وأشكال هندسية، تشبه إلى حدٍّ كبير التصاميم الهندسيّة للكنائس، وغالبًا ما يكون ملوّن باللون الذهبي. ويشكّل الإطار، مع ما يحويه من اللوحات، وحدة فنّية يكامل بعضها البعض. وأحيانًا يكون الإطار أشبه بخزانة مصغّرة تحوي على أبواب صغيرة تظهر، عند فتحها، لوحات دينيّة. وحديثنا اليوم هو عن ﭘـوليتّيكو گريفّوني، وهو ذو أهمّية تاريخيّة وقصّة ملتوية.

واتخذ الـﭘـوليتّيكو اسمه من لقب العائلة الّتي كلّفتْ برسمه، وهي عائلة گريفّوني، وكانتْ أسرة ثريّة ونبيلة في مدينة بولونيا الايطالية، في القرن الخامس عشر. أمّا الرسّامان الّلذان اشتغلا العمل فهما فرانـﭼيسكو ديل كوسّا وأيركوله دي روبيرتي، وهما رسّامان من مدينة فيرّرار الّتي تبعد عن بولونيا ما يقارب الخمسين كيلومتر. وكانتْ مدن ايطاليا – آنذاك – أشبه بدويلات صغيرة مستقلّة، عادة ما تنشب بينها حروب أو تولد أحلاف.

وكان فرانـﭼيسكو ديل كوسّا (1436- 1478) ابن بنّاءٍ من فيرّرارا، ويغلب الظنّ أنّه تلقى بعض الدروس على يد الرسّام الايطالي الكبير ﭘـييرو ديلا فرانـﭼـيسكا. وكان يمثّل، رفقة تلميذه أيركوله دي روبيرتي، أحد كبار رسّامي المدرسة الفرّاريّة. أمّا أيركوله دي روبيرتي (1451 أو 1456 – 1496) فقد تتلمذ على يد ديل كوسّا ورافقه في انتقاله وعمله في مدينة بولونيا. وبعد وفاة استاذه ورفيقه عاد إلى فيرّارا وفتح ورشة للرسم، ثمّ أصبح يعمل في بلاط العائلة الحاكمة في المدينة؛ أسرة الأيسته.

وقد كان لأسرة گريفوني، كما الأسر النبيلة عادة، مصلّى خاصٌ في بازيليكا سان بيترونيو، الكنيسة الأكبر في مدينة بولونيا، ورابع أكبر كنيسة في ايطاليا. ومع مجيء الرسّاميْن إلى بولونيا وبدء العمل بها، قام فلوريانو گـريفوني بتكليفهما بإنجاز الـﭘـوليتّيكو على مذبح المصلى الخاصّ بالعائلة. وقد أنجزاه ما بين عامي 1469 – 1472.

بقي البوليتّيكو في مصلّى العائلة حتّى عام 1725، وكانتْ ملكيّة المصلّى قد انتقلتْ إلى عائلة آلدروڤاندي، ولكنّها باعته، بعد مدّة، إلى عائلة كوسـﭙـي. وحين انتقلت الملكيّة إلى العائلة الأخيرة، قام الكاردينال ﭘومـﭙـيو آلدروڤاندي، المالك السابق، بانتزاع العمل من المصلّى وتجزئته ثمّ نقله إلى محلّ إقامته في الأرياف. إذ فصل كلّ لوحة على حده وأطّرها وقام بتوزيعها على غرف سكناه الريفي. بعد ذلك قام ببيعها، فافترقتِ اللوحات من يومها وسلكتْ كلّ منها مسارًا وطريقًا مختلفًا عن اختها، وانتهى بها الحال في بلدانٍ تبعد عن بعضها البعض آلاف الكيلومترات، ولم يبقَ منها ولا حتّى لوحة واحدة في موطنها الأمّ: بولونيا. فقد انتشرت اللوحات في عدّة مدن ايطالية: فيرّرارا (لوحة القديس بيترونيو)، روما، متحف الڤـاتيكان (لوحة كرامات القديس ڤينـﭼـينتسو فيرّير)، ميلانو (لوحة القديس يوحنى المعمّدان ولحة القديس بطرس)، فينيسيا (القديس جيرولامو، القديسة كاترينا، القديس جورجو) باريس، متحف اللوفر (لوحة الملاك جبرائيل والقديسة أﭘـولّونيا)، لندن، المعرض الوطني (القديس فيرّير) متحف روتردام (القديس انطونيو أباته) واشنطن، المعرض الوطني (القديس فلوريانو والقديسة لوﭼيّا).

في أيّار 2020، على الرغم من انتشار فايروس كرونا، أقيم معرضًا في مدينة بولونيا، في قصر فاڤاتا، حُضّر له لما يقارب العاميْن، جُمعتْ فيه لوحات الـﭘوليتّيكو، ولأوّل مرّة، في وطنها الأم بعد مرور 300 سنة على تجزئتها وهجرتها. وقد استعارت بولونيا تلك اللوحات من مدن ومتاحف من مختلف أنحاء العالم، كما مر ذكرها. فكانتْ مشاهدة تلك اللوحات المنفردة أمر مذهل بالفعل. ولم تقم الجهة المسؤولة عن تنظيم المعرض بإعادة اللوحات كما كانت في تصميمها ومواضعها الأصلية، بل بقيتْ منفردة كما هي عليه في متاحفها. ولكنْ، عوضًا عن ذلك، فقد ركّبوا صورا كبيرة الحجم ومخطوطات تاريخيّة توضع كيفيّة تشكيل الـﭘـوليتّيكو وموضع كلّ لوحة فيه، فضلًا عن دليل مسموع يشرح العمل الفني وتاريخه وشتاته.

إضغط على الرابط التالي لمشاهدة التقرير بصوت الكاتب

ويُقسم الـﭙـوليتّيكو، من حيث الأسلوب، إلى جزءين: الجزء الأعلى والجزء الأسفل. أمّا الأعلى فيحتوي على ست لوحات: على جهة يمين الناظر لوحة مستطيلة لسانتا لوﭼـيّا (القدسية لوسي)، تحمل في يمينها سعفة وفي يسارها غصنًا تزهر منّه عينان (إذ هي القديسة حامية النظر). بينما إلى يمين الناظر سان فلوريانو المحارب، وكان قائدًا في الجيش الروماني، يمسك في يده اليسرى السيف وفي اليمنى وردة حمراء. ويبدوان وكأنّهما يطلان من مرتفع وينظران إلى ما يجري في الأسفل. والجديد بالذكر أنّ من كلّف الرسّامين بهذا الـﭘوليتّيكو هو فلوريانو گريفوني، سَميّ القديس، والذي تزوّج بلوﭼـيّا باتّاليا، سميّة القديسة. وهذه هي أحدى تقاليد العوائل النبيلة المسيحيّة؛ إمّا يكلّفون برسم قديّسٍ يحملون اسمه أو تظهر ملامحهم الجليّة في لوحة قديسٍ ما.

بينما نجد في أعلى الهرم لوحة دائريّة الشكل تمثّل لحظة صلب المسيح، وتحت الصليب، على الجانبيْن، مريم العذراء ويوحنّا الرسول، يعتصرهما ألمٌ شديد، جلي الظهور على ملامحهما. إضافة إلى لوحتين دائريّتيْن صغيرتي الحجم على جانبي لوحة الصليب: الأولى، على يمين الناظر للعذراء مريم لحظة تبشيرها بالمسيح، وعلى الشمال الملك المجنّح جبرائيل، الملك المُبشِّر. أسفل لوحة الصليب نرى لوحةً على هيئة قوس تمثّل يوم الحساب، حيث يتربّع المسيح على العرش تحيط به الملائكة. ويتمثّل في هذه الجزء من البوليتّيكو الاشتغال الكلاسيكي على خلفيّة الرسم: كما نرى جليًّا فالخلفيّة مسطّحة ومذهّبة، تخلو من أيّ أبعاد أخرى.

أسفل لوحة يوم الحساب مباشرة نجد لوحة كبيرة للقديس ڤينـﭼـينسو فيرّير، وهنا يبدأ الجزء السفلي من البوليتّيكو. على يمين القديس فيرّير تقع لوحة كبيرة ليوحنّا المعمّدان، وعلى يساره القديس بطرس. أسفل اللوحات الثلاث لوحة مستطيلة تمتدّ على طول القاعدة، وهي تمثيل لكرامات القديس ڤينـﭼـينسو فيرّير. وما يميّز هذا الجزء من الـﭘوليتّيكو هو الخلفيّة المثيرة والغرائبية، بما تحوي من أبنية أو بقايا أبنية بتصاميم هندسية رائعة، أو بيئة صحراوية وما إلى ذلك. بينما توجد على جانبي لوحات القدّيسينَ الثلاثة لوحات صغيرة، ثلاثة منها على يسار الناظر وأربعة على يمينه. أمّا الأربعة على اليمين فهي لكلٍّ من القديس بيترونيو (حامي مدينة بولونيا)، والقدّيسة أﭘولّونيا الّتي تحمل بيدها كمّاشة ما بين فكّيها سنّ مخلوع، إشارة إلى طريقة التعذيب الّتي تعرضتْ لها القديسة، وهي قلع جميع أسنانها. القديس أنطونيو أباته، والملك ميكائيل في وضعيّة يسدّد فيها رمحه صوب أحد الشياطين. أما اللوحات الثلاث فهي لكلٍّ من القديس جيرولامو الذي يحمل بين يديه كتابًا، القديّس جورجو الذي يجثم تحت ضربة رمحه التنين، والقديسة كاترينا الاسكندرانية الّتي تسند إلى ساقها عجلة كبيرة، إشارة إلى الآلة الّتي عُذّبت بها، وهي عجلة الكسر وتسمّى أيضًا عجلة كاثرين (كاترينا)، نسبة إلى القديسة.

* الدكتور کاصد محمّد 

أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة بولونيا / إيطاليا