برلين – « الثقافيّة » –
أحمد شوقي*

في الصيف الماضي شغلت المخرجة الألمانية ماريا شرادير الرأي العام الفني حول العالم عندما عرضت منصة “نتفليكس” مسلسلها القصير “غير ملتزمة.. Unorthodox”، قصة حقيقية لامرأة هربت من

مجتمع يهود الحاسيديم المتطرفين في نيويورك، حولتها شرادير أربعة حلقات نالت نجاحًا ضخمًا، فنالت جائزة إيمي لأحسن إخراج لمسلسل قصير، وترشحت لجائزتي جولدن جلوب لأحسن مسلسل قصير وأحسن ممثلة في نفس الفئة.

شرادير التي قضت معظم مسيرتها كممثلة تعود إلى مهرجان برلين السينمائي الدولي الذي نالت فيه جائزة أحسن ممثلة عام 1999 عن “إيمي وجاجوار Aimée & Jaguar”، هذه المرة كمخرجة في مشاركتها الأولى بالمسابقة الدولية بعدما عُرض لها فيلمين من قبل في أقسام غير تنافسية. فيلم شرادير يحمل عنوان “أنا رجلك I’m Your Man”، وتدخل فيه المخرجة الموهوبة مساحة مختلفة عن كل ما قدمته في أعالمه الإخراجية السابقة.

حبيب إلكتروني

قصة خيال علمي بطلتها ألما (مارين إيجرت التي فازت في نهاية المهرجان بجائزة أحسن ممثلة في المهرجان عن الدور) باحثة تاريخية تعمل في متحف بيرجامون الشهير ببرلين، توافق من أجل تمويل أبحاثها أن تخضع لتجربة تعيش فيها مع روبوت متطور، تم تصنيعه في صورة آدمية باستخدام كافة المعلومات عنها بما يجعله شريك الحياة المثالي لها. أمر تخوضه ألما دون اكتراث كبير، فهي امرأة مستقلة لا تؤمن كثيرًا بالحب مع رجل، فما بالك بالحب مع آلة ذات عقل إلكتروني؟

يحاول الروبوت الوسيم توم (البريطاني دان ستيفنز بأداء مدهش) إسعاد ألما، مستخدمًا ذخيرته المعرفية الهائلة عنها وعن النساء بشكل عام، إلا أن اختلافها عن أغلب النساء يأتي ببعض النتائج العكسية، مثلما يُجهّز لها حمامًا ساخنًا مع الشموع والورود لأن “93% من الألمانيات تحلمن بهذا الأمر”، فترد عليه ببرود “هل يمكنك توقع أي نسبة أنتمي إليها؟”.

الموقف السابق وملخص القصة سيوحي في الأغلب لمن يسمعه بفيلم كوميدي رومانسي أمريكي الطابع، أو على أحسن الفروض بفيلم يحلل تأثير الظاهرة التكنولوجية المتطورة على على علاقات البشر ومشاعرهم، على غرار دراما سبايك جونز السوداوية الملوّنة الأشهر “هي Her”، إلا أن السيناريو الذي كتبته شرادير بمشاركة يان شومبورج استنادًا على قصة قصيرة لإيما براسلافسكي يتجاوز التوقعات والافتراضات المسبقة، ويأتي بالجديد الذي جعل الفيلم يستحق الوجود داخل المسابقة الرسمية لأحد أكبر مهرجانات العالم وأكثرها انحيازًا للسينما المغايرة.

أسئلة فلسفية

ما الذي يجعل البشر بشرًا؟ هل هي حزمة التصرفات والأفكار وأساليب الحياة؟ أم هي الدوافع الكامنة وراء تلك الأمور؟ هل ثمة اختلاف بدهي تخلقه حقيقة كون كل ما يصدر عن توم نابعًا عن لوغاريتمات ذكاء اصطناعي؟ أم أن قيمة الفعل تُغني عن مصدره؟ ففي النهاية ما الفارق الفعلي بين التفاعلات الحيوية داخل الأجساد ونبضات الكهرباء التي تُحرك اللوغاريتمات؟ أليس كلاهما أمرًا باطنيًا لا نراه ولا نفهم آلية حدوثه لكننا نعرف نتائجه فنحدد من خلالها تقييمنا للآخر؟

ألما ذات العقل المرتب الواقعي تضبط داخلها مشاعرًا تتنامى نحو الرجل الوسيم الذي فعلت ما في وسعها كي تثبت له ولنفسها إنه مجرد آلة مصممة لإسعادها، لكنه يفاجئها في كل مرة بما يثبت أن بإمكانه أن يقدم ما يفوق الحمام الدافئ والشموع: أن يفهمها أكثر من نفسها، فيعرف متى يُلبى ومتى يتجاهل، متى يكون صريحًا واضحًا ومتى يخفي حدة بعض الأمور، يتقبل انفجارها ببرود يليق بروبوت، ويظهر حرارة وحميمية تمامًا في الوقت الذي تحتاجهما فيه.

النظرة الاعتيادية ستقول أن كل ذلك زائف، بلا قيمة، يغفل ما يعرفه المحبون بأن لحظات الخلاف والجفاء جزء لا يتجزأ من متعة العلاقات، لكن الفيلم يطرح – وبنبرة خافتة متقدة الذكاء – السؤال العكسي: من قال أن ألما لم تختلف مع توم؟ فهل الأفضل أن يكون الخلاف بين طرفين أول سلاح سيستخدمه كلًا منهما هو تجريح الآخر والضغط على نقاط نقصه وضعفه؟ أم طرفين يستوعب أحدهما الآخر فيتجاوز الخلاف مهما بلغت حدته؟ طرفين بلغ أحدهما جوهر النضج البشري بالتيقن من أن الهدف الأسمى لوجوده هو جعل الآخر أسعد؟ ألا يجعل هذا الروبوت أكثر “إنسانية” من أغلب البشر؟

يتزامن كل هذا مع مشاهدة ألما لوالدها وهو يتداعى، جسده لا يكاد يحمل ما تبقى من عقله، والخطر يهدد بقائه كل لحظة وهو العجوز الوحيد الذي رحلت زوجته وانشغلت بناته بحياتهن الخاصة. حالة يمكن بسهولة تخيل سيناريو أفضل لها لو امتلك صاحبها شريكًا متفانيًا لا تأخذه حياة خاصة، ولا يفصله عن الديمومة سوى بعض الصيانات الدورية.

صنعة محكمة

الممتع في “أنا رجلك” هو قدرة ماريا شرادير على الإمساك بنبرة الفيلم من البداية للنهاية. نبرة فيها القليل من الرومانسية والقليل من الكوميديا والكثير من الفلسفة والتأمل في علاقة قد تبدو للوهلة الأولى تنتمي للخيال العلمي، لكن أبسط مدّ للخطوط على استقامتها تجعلنا نوقن أنها أقرب للعلم منها للخيال، ولتتذكر دومًا أن هاتفك الذي يعرف عنك كل كبيرة وصغيرة كان جلّ ما يمكنه فعله قبل أقل من عقدين هو لعب بعض النغمات المجسمة!

ذكاء الفيلم يكتمل بقرار المخرجة ألا تنحاز لأي رأي حول المسألة، مكتفية بعرضها الدرامي لكافة أوجه الأمر، دون تحيزات مسبقة أو تصورات نمطية، تاركة الحكم لتقدير المُشاهدين الذين سيسأل كل منهم نفسه بالتأكيد عما إذا كان سيحب امتلاك نسخته من توم، شريك الحياة المصمم بعناية ليلائم الاحتياجات. هل من الممكن أن يأتي يوم على البشر فيستعيضون فيه عن متاعب العلاقات التقليدية بشريك مصمم بعناية تجعله يقول مطمئنًا “أنا رجلك“؟

* أحمد شوقي – ناقد سينمائي مصري