بغداد – ( إيطاليا الثقافيّة ) –

علي حمود الحسن*

المدن كالنساء، لكل واحدة عطرها المميز، ثمة مدن متخيلة، هي لا تشبه الواقع وربما شبهه أو تتفوّق عليه، مدن نقشت ملامحها كاميرا على شريط السيلويد، فاوقعتنا في غواياتها، حينما وصلت الى القاهرة في أول زيارة لها، لم أقتفِ أثر معالمها المرئية، قادتني الصورة العالقة في ذهني إلى قاهرة أخرى، فوجدتني في خان الخليلي، وزقاق المدق وعمارة يعقوبيان ومجمّع المحاكم، هذا بالضبظ محور عمودعين الطائر المعنون» بـ «مدن السينما الاثيرة».

المكان بطل آخر في السينما، والزمان كذلك، الأول هو من يعطي أحداث الفيلم الحياة، والثاني يبلورها سياقياً، المكان مراوغ وعلى الأغلب مموّه في الفيلم، فالكتل والأشكال التي تشغل فضاءه، لا تميل إلى التماثل، إنما جزءٌ يوهم بالكل، فهي تتعكز على بعدين لا ثلاثة، البعد الثالث يتمظهر من تفاعل الخطوط والظلال، فالأثر لا يصوّره الفنان وحسب، إنّما يخلقه بمفهومية بول كلي، لذلك فدبلن جميس جويس في «يوليسيس» غير دبلن الجغرافيا، وإسطنبول المتخيلة في لوحات الرسام الإيطالي الاستشراقي فاوستو زونارو، التي وثًقت يوميات مدينة اسطنبول في بداية القرن الماضي، فخلدتها سينمائياً . الأثر يتحوَّل إلى متخيَّل، يُشابه الأصل لكنه ليس هو، مدن السينما توقع عشاقها في مصائد فتنتها، مدن الجغرافيا لا تفعل ذلك بذات القدر، وهذا يحيلني الى تجربة شخصية، واجهتني بعد زيارتي الأولى لمدينة القاهرة، إذ ما أن شاهدت معالمها ومثابات أثرها العريق، حتى تلبستني حمّى تتبع الأفلام المصورة فيها، فليس بعيدا عن مقهى «زهرة البستان» الواقع في وسط البلد، تربعت عمارة يعقوبيان، بمعمارها الفرنسي الضاج بالحنين لزمن مُضى، وهي تحكي قصة تعاقب الأجيال والثقافات.

لم أهتم بذلك وأنا المتيَّم بجمال العمارة، إنما رحت أحكي جذلا مع زملائي عن فيلم “عمارة يعقوبيان” الذي اتخذ من هذا الأثر موقعا لأحداثه، والأمر ذاته ينطبق على محطة رمسيس- المحطة المركزية لقطارات مصر- التي دخلتها في طريقي الى قطار أسوان، فوجدت نفسي أبحث عن بائعة المشروبات الباردة هنومة (هند رستم) وجردلها المثلج، وأتتبع خطوات قناوي الأعرج (يوسف شاهين) المجنون بهنومة، التي تعشق أبو سريع (فريد شوقي).

استعدت قصة الفيلم وأنا أتجول في نفس موقع تصوير الفيلم المنتج في العام 1958، وكم أحسست بعظمة يوسف شاهين الذي صوّر كثيرا من مشاهد الفيلم في المحطة، وفي العودة الثانية إلى القاهرة وعلى الرغم من نباهة و”نصاحة” دليلنا الزميل ضياء الأسدي وتبحره في جغرافية القاهرة وعوالمها الجميلة، إلا أنَّ ما دلني عليها وضاعف من متعة اكتشاف معالمها؛ شوارعها، وساحاتها، ومقاهيها، ومراقدها، فضلا عن حواريها ومطاعمها الشعبية، هي أفلام شاهدناها وظلت عالقة في أذهاننا، مشكلة صورة أليفة ومتخيلة، لا نلتذ بمعالم المدينة ويوميات أهلها، إلا من خلال منظارها؛ فـ «خان الخليلي» – 1966- للمخرج عاطف سالم تحسّسته في كل شبر في حي خان الخليلي العريق، إلى حد توقعي رؤية أحمد (عماد حمدي) بطل الفيلم، وهو يفتح نافذته الخشبية المطلة على أهل الحي بدشداشته «البازة المخططة» وشعره المجعّد وكتبه المعفرة بالتراب، و«زقاق المدق» – 1963 – هذه الحارة الصغيرة والضيقة، التي اقتعدتُ أحدى مقاهيها وأنا أبحث في الوجوه عن الحلاق عباس الحلو المتيم بحميدة التي تتطلع إلى حياة أخرى بعيدا عن زقاق المدق، وكم تمنيت أن يحلق لي ذقني وأنا واثق من انه سيترك وجهي مغطى بصابون الحلاقة ورقبتي مشنوقة بالفوطة البيضاء، ليلاحق حميدة المغناج، التي لا تعطيه “ريقاً حلوا”.

علي حمود الحسن* – كاتبٌ وناقد عراقي