بغداد – ( إيطاليا الثقافيّة )

قاسم الكعبي*

في بيتٍ بُني من نفس طين الأرض التي احتوت آثار الوركاء، سكنته أكثر من بعثة ألمانية آثارية ترعرعت في هذا البيت مارغريت فان آيس وكبرت حتى يومنا الحاضر وما زال هذا البيت صامدا كحال آثار العراق بجدرانه الطينية وباحته الواسعة، صمم لتدخل الشمس كل غرفه العشرين كسمة نشاطٍ لكل من يسكنه. إنّها ذات الشمس التي عبدها سكان بلاد الرافدين في العصور الماضية.

رفضت مارغريت الحداثة بكل أدواتها لتحافظ بإصرار على رائحة وأشياء هذا البيت دون أن تضيف أي لمسة حداثة أو تكنولوجيا، مُصرّةً على أنْ تتماهى مع رائحة الارض والماء والطين الذي أخرج الانسان الحضاري الأول من هذه الارض.

مدينة الوركاء، إحدى أوائل حواضر الدنيا، ظهرت في بداية العصر البرونزي قبل حوالي 4000 سنة قبل الميلاد. وفي مدينة أوروك أختُرعت الكتابة ومنها ظهر الحرف الأول في العالم، في حدود 3100 ق.م، وظهرت الكتابة بشكلها الأول حيث كانت في بداياتها كتابة صورية ثم تطورت لتصبح الكتابة المسمارية.
كانت أُوروك، في تلك الفترة قبل حوالي 2900 ق.م، تلعب دوراً رئيسياً في العالم وقُدّرَ بأن طول محيطها كان بحوالي 6 كلم، لتكون بذلك أكبر مدينة في العالم في تلك الحقبة.

تقول رئيسة بعثة التنقيب الالمانية في العراق مارغريت فان آيس بأنّ بدايتها مع العراق ”كانت في موسم الربيع عام 1982. حينها لم يخطر في ذهني زيارة العراق والعمل كآثارية في مدينة الوركاء. كان بعض الاساتذة يريدون المجيء للعمل في العراق واعتذر أحدهم فسالت ما إذا كان بإمكاني الانضمام إلى تلك البعثة وجاء الردّ على طلبي بالإيجاب، فأُتيحت لي زيارة العراق. كان عمري حينها 22 سنة“.
وكانت مارغريت قد أمضت بعض الوقت في الشرق ولديها بعض الأفكار عنه ”لكنّي لم أعش في منطقة هادئة كما الوركاء. كان شعوري بالراحة لا يوصف، وقد أحببت المنطقة وسكّانها، وتملّكني منذُ البدء شعور داخلي بالارتياح. وكانت تلك تجربتي الاولى في العمل”

واضافت “منذ عام 1982 وحتى 1986 كنت اتردد على الوركاء كل سنة ومنذ عام 1996 حتى 2002 كنت ازور العراق حسب الظروف المتاحة لنا وكان عملنا يتوقف بسبب الأزمات السياسية والحروب التي مرها بها العراق، وقد عشت تجربة لا تُتاح أنْ يعيشها أيّ ألماني، وكانت مرحلة الحرب العراقية الايرانية تجربة فريدة ومؤلمة، وأكثر منها إيلاماً كانت تجربتي الثانية إبّان فترة الحصار على العراق في تسعينيات القرن الماضي حيث انهارت الرواتب إلي القاع، مولّدةً فترة مؤلمة بالنسبة لي، رغم أنّ وجودي البلد الجميل، العراق، أتاح لي فرصة التعرّف على شريك حياتي“.

ورغم مرور آلاف السنين، فإنّ امتداد الارض في الوركاء وتلالها ما يزال يشعّ بكِسَرِ الفخار وبقايا المعابد والآجُر المطمور، هنا حيث انطلق الحرف الأول في أبجديّة اللغة الأولى. ورغم أّن مارغريت عملت منذ أول زيارة لها إلى الوركاء ومسحت التربة السطحية وجمعت عدداً وفيراً من الملتقطات السطحية، ومنها قطع الفخار بأنواعها واشكالها، إذْ يعج مكان عملها بانواع كثيرة من جرار الفخار؛ جمعت كلّ شيء لمعاينته ودراسته، وهي تقول ”إنّ أول قطعة أثرية لمستها في العراق كانت في مدينة الوركاء، وهي قطعة فخار متوسطة الحجم؛ فيما لأول قطعة مميّزة عثرت عليها قصة فريدة؛ إذْ كنّا نثبت في الأرض أوتاداً تفيد في عملية تشبيك. كان ذلك إبّان عمليات المسح، وكنّا نُثبّتُ في كل نقطة وتداً؛ وخلال ضربة بالارض بالصدفة حدث اثناء تثبيت احد الاوتاد أصاب ذلك الوتد قطعة حجرية وجدناها مميزة وهي من النوع الذييسمى باللغة الالمانية بـ «حجر الاسد»، وهذه أول قطعة أثرية عثرت عليها في الوركاء وتكاد تكون الأقرب الى قلبي”.

تُصرّ مارغريت على السكن في بيت طين يخلو من كلّ مستلزمات الحداثة وتحتفظ بادوات ومصادر الاضاءة كالفانوس، اللوكس، إضافة إلى حمام دون دُشْ صُنِعتْ أدواته الفافون ( الألمينيوم )، وتُفضّل الجلوس إلى صينية الطعام المصنوعة من النحاس، مر على صنعها عشرات السنين.

وتقول ”أسكن في بيت الطين هذا لعدة أسباب: فهو بيت البعثة التقليدي وله قيمة تاريخية مثل الابنية الاخرى، نريد الحفاظ عليه كما بُني في ثلاثينيات القرن الماضي؛ ثمّ أن البيت يقع في قلب المنطقة الآثارية بالقرب من أكثر الصروح أهمية، أي زقّورة الوركاء، والقرب منها والنظر اليها تمنح لحظات فريدة للغاية؛ أمّا السبب الثالث هو مادة البناء اللبن، الآجر، هي من أفضل مواد البناء للعمارة البيئية، فإنّّ هذه المواد تعمل كخزانات للحرارة وتكون في الصيف باردة وفي الشتاء دافئة، لذا فنحن هنا لا نحتاج الى مكيفات هواء، لأنّ لدينا مكيفات طبيعية تتوفّرها مادة البناء، واصراري على إبقاء هذا البيت بدائياً ناتجٌ أيضاً عن أن اي عملية تحديثه ستُفضي إلى تدخل وحفر وإمدادات كهرباء وماء، وقد يؤدي ذلك الى تخريب بعض الطبقات الاثرية على سطح الارض”.

ووصفت مارغريت فان آيس مدينة الوركاء باجمل الأوصاف مُشيرةً إلى أنّ اذار ،وتحديدا يوم 21 منه ، وهو يوم الانقلاب الربيعي الذي يتساوى فيه الليل مع النهار ”فإذا استيقظت باكرا ونظرت باتجاه الزقورة ستشاهد بزوغ الشمس كما أنّ بإمكانك أن تشاهد في ذات الوقت نجمة السُّهَيل ، إنّه امن اجمل المناظر التي يمكن مشاهدتها، وعندها ستُدرك لماذا اتُّخِذَ هذا المكان موقعاً لأهمّ المعابد الموجودة في المنطقة“.

حين تدوس خطاك بقايا الوركاء وزقوراتها وتتجول بين حوائطها التي شهدت حوادث الدهر والطبيعة وما تزال صامدة تترآى لك اطياف من عبدوا كل الآلهة القديمة بمفردات اللغة الاولى لتُصبح جسرا للتواصل بين البشر وعنواناً للتسامح في تعدّد العبادات والالهة.

 

قاسم الكعبي* – صحفي عراقي