القاهرة – ( إيطاليا الثقافيّة )
أحمد شوقي*

تمتلئ القنوات الفضائية الرياضية بمئات الساعات من الأعمال الوثائقية حول كرة القدم. كيف لا وهي ليست فقط اللعبة الأكثر شعبية حول العالم، ولكنها صارت أيضًا أحد أكبر اقتصادات البث حجمًا، و كما ينقل البث المباريات، فإنّه يحتاج إلى دعمها بالبرامج والاستوديوهات التحليليّة والمواد الوثائقية.

لكن أغلب هذه المواد – بحكم منطق صناعتها – أعمال تلفزيونية هدفها سرد مسيرة نجم أو استعادة أحداث بطولة، أعمال ذات هامش إبداعي محدود مهما ارتفعت ميزانياتها.

إلاّ أنّ نسبةً قليلة من هذه الوثائقيات الكروية يُمكن أنْ تعلو إلى مرتبة الفن، وتقدم إبداعاً فيلميّاً يحاول مجاراة ما تملكه الكرة بطبيعتها من زخم درامي نادراً ما تمكنت السينما من رصده بصدق. ومن هذه الأعمال الفنية النادرة يأتي مسلسل بعنوان «سندرلاند حتى أموت Sunderland ‘Til I Die»، من إنتاجات شبكة « نتفليكس » الأصلية، والتي قدمته في موسمين الأول من ثماني حلقات عام 2018 والثاني من ست حلقات عُرضت في شهر أبريل الماضي.

قد لا يكون المسلسل من بين الإنتاجات ذائعة الشهرة للشبكة التي صارت أحد صنّاع المحتوى الرئيسيّين حول العالم، لكنه يتمتع بشعبية كبيرة بين مشجعي كرة القدم حول العالم. شعبية لا تقتصر على محبي ومتابعي نادي سندرلاند الإنجليزي، النادي ذو الماضي العريق والذي يعيش سنواته الأسوأ بعد انهيار مستواه وهبوطه للدرجات الأدنى بعدما اعتاد المشاركة في أقوى دوري كروي، وإنّما تمتد جاذبية العمل إلى كل مشجع رياضي خاض تجربة الانتماء إلى أحد الأندية وانخرط في دعم ناديه في السراء والضراء.

حكاية عن الماضي والحاضر

التشجيع في وقت الفوز أمرٌ سهل، فكم من نادٍ تقوم علاقة محبيه به على الكؤوس والألقاب. «دولاب البطولات» الذي يتفاخر به محبّو الفرق الفائزة دائماً، والانتصارات الدائمة مأزق؛ لأنّها تضع المحبة على المحك عند أول خسارة. أمّا جوهر الانتماء الكروي الحقيقي – كما يجسده المسلسل – فهو تلك العلاقة التي تقارب المازوكيّة بين عاشق متيّم بحب فريق لا يجلب له عادةً إلّا الأحزان. لحظات نادرة من النصر والنشوة، وسنوات من الانكسار والخروج من الملعب بلسان ساخط وقلب جريح.

يؤسس المسلسل سريعاً في دقائقه الأولى الخلفيّات التاريخية والاجتماعية لمشجعي النادي موضوع العمل. فسندرلاند مدينة عمّالية عريقة، اعتبرت قديماً أهم مركز لبناء السفن في بريطانيا وقت أنْ كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ميناءٌ تجاري بالغ الأهمية على نهر الوير، وازدهار اقتصادي كبير ولد خلاله نادي سندرلاند لكرة القدم عام 1879، ليغدو سكان المدينة مهووسين به، تدور حياتهم حول تشجيعه في نهاية كل أسبوع والاحتفال بانتصاراته التي لم تكن أبداً كثيرة، لكنها مكّنته دائمً من الوجود بين الكبار.

ومع انصراف التجارة بشكل كبير عن صناعة الملاحة النهرية، وانهيار الطبقات العمّالية بشكل عام في كل مكان، تحولت المدينة المزدهرة إلى شبح من الماضي، مجرد بلدة شمالية أخرى بلا أسباب للتميّز سوى ناديها المحبوب، وملعبه «ستاد النور» الذي افتتح عام 1997 بسعة 49 ألف متفرج، وقت أَنْ كان النادي يقُارع الكبار في الدوري الانجليزي الممتاز. أما الآن، فالملعب الأنيق ذو الاسم الرنان، مجبرٌ على استضافة فرق محلية ملاعبها أصغر من ملاعب تدريب سندرلاند، بل والتصالح مع فكرة تلقّى الهزائم من الزوار الذين صاروا أصحاب فرق أقوى في زمن صارت الإدارة الرياضية فيه تساوي امتلاك المال.

كواليس كبير بين الصغار

هنا تولد تلقائياً المفارقة الدرامية التي يجيد «سندرلاند حتى أموت» الإمساك بها:
التناقض بين المعطيات والنتائج.
هذا النادي صاحب الملعب العملاق والتاريخ والإمكانيات والشعبية الطاغية، تبدو كل سماته أكبر بكثير من الفرق التي يقابلها في دوري الدرجات الأدنى، يُفترض أن يكون وجوده بينهم مؤقتاً، مجرّد هدنة ينتصر فيها ويستعيد مكانته بين الكبار، لكنّ الأمور – لسبب أو لآخر – لا تسير وفق المنطق، أو، بالأحرى، تسير وفق منطق كرة القدم الجنوني، التي يمثل فيه الحصول على قوس درامي منطقي لفريق/ شخصية درامية، حلماً يصعب تحقُّقه على أرض الواقع.

غير أن قيمة المسلسل لا تقتصر على تعبيره المثالي عن علاقة المشجعين بناديهم، بل تمتد إلى عرضه الكثير من التفاصيل المثيرة عن كواليس الكرة البريطانية: ما يدور في الغرف المغلقة للأندية، كيفية إدارة الفرق والعلاقة بين مالك النادي وحملة أسهمه ومديره التنفيذي ومديره الفني. الثقافة داخل الفريق والعلاقة بين اللاعبين وبعضهم، بينهم وبين إدارات الأندية ووكلاء اللاعبين والمشجعين، وطاقم الفريق الذين يمارس بعضهم أعمالًا لا نعرفها في بلادنا كالمنسّق بين الجمهور والفريق، أو المسؤول عن اختيار الموسيقى المصاحبة لدخول الفريق إلى الملعب.

يعرض «سندرلاند حتى أموت» النادي الكروي على حقيقته، كشركة لديها طاقم عمل ونظام داخلي وصراعات إدارية ومالية. وكأيّ شركة في أيّ مكان، عادة ما تأتي جودة المُنْتَج (مستوى الفريق في حالتنا) نتيجةً لمجموعة معقدة من العوامل التي قد لا يمتلك بعضها صلة مباشرة بكرة القدم على الإطلاق.
إلا أن ما يميز نادي الكرة عن أي شركة أخرى أمران:
تأثّر الآلاف بمستوى المنتج، فينقلب أسبوعهم سعيداً أو تعيساً وفق أداء الفريق ونتائجه، وتلك العلاقة التي لا فكاك منها مع القدر؛ كرة رائعة تصطدم بالعارضة أو لاعب مؤثر تداهمه إصابة مفاجئة، هي نماذج لأحداث يصعب توقعها أو السيطرة عليها لكنها تؤثر راديكاليًا على المصائر.

بين لحظات أمل يبعثها انتصار مريح، وحسابات يضعها المحبّون آملين بالفوز في هذه المباراة والخروج بتعادل في أخرى، وانكسار يأتي صادماً ليُخيّم الصمت وتدلى الوجوه الحزينة، قبل أن ترتفع مجددةً حبّ الفريق ودعمه وإنْ سقط درجة أدنى في كل موسم. هذه العلاقة تبدو قمّة في العبث وفي انعدام المنطق بالنسبة لمن لا يحب الكرة، بينما تمثل قمة البديهيّة لمن خبر هذا الشعور الغريب الذي أجاد صناع مسلسل «نتفليكس» التعبير عنه، فصار مسلسلهم عملًا فنياً وليس مجرد مادة للقنوات الرياضية.

  • * أحمد شوقي – ناقد سينمائي مصري يُقيم في القاهرة