بغداد – ( الثقافيّة )
عبدالأمير شمخي*

جاء من الأماكن التي طالما وُلدَ منها الشعراء ومطربو أغاني البنفسج والممثلون المدهشون والمبتكرون . جاء محملاً بأحلامه مع امتداد الحقول التي لا تُخبئ الغرباء.. ولا تشعرهم بالخوف.. ينوءُ بقامته التي كانت أتعبتها سنوات بغداد حين التقيته، في مسرح المنصور، لنبدأ العمل معاً في مسرحيتي السرداب.. كمثل من شرِبَ كأسَ الدنيا وخَبَرَ كنهها.. يحاول بكل ما يمكنه أنْ يبدي اهتماما بأيَّ أمر .. أو بايٍّ ممّا يقال.. إلّا ان لغة جسده كانت تتخطى ما يحاول إظهاره إلى في ما يُخفيه من مرارة الأيام..

كنت أعرفه جيداً ( قبل العمل معاً ) لكنّني كنت مخطئا.. لأنّني اكتشفت، مع أيامي الأولى لتلك التجربه المسرحيه التي جمعتنا، أنّني لم أكن أعرف سوى سلوكه الاجتماعي وطيبة قلبه.. أما أحلامه وقدراته فقد كان يُخبئها بمهاره العارف بالدنيا، لكن، على مدى زمن التمرينات المسرحية التي امتدت لشهرين كي يبدأ العرض فيما بعد، عرفت إنّه .. كمثل حقل بابلي على ضفة نهر كلما توغلت فيه ازدادت خُضرةُ روحه بريقاً.. أو كساحر تَعِبَ من الألعاب بعد أنْ عرف سرّها وأعطى ظهره إلى سحرها..

ذلك هو ( ياسين بربن ) الممثل الذي يمتلك خاصّيه الأُلفه وهو على المسرح.. خفة الظل.. واتزان الوجود.. والممثل الذي لا يتعثر.. بل ينمو بمشاعره وحسه وتألّقه يوماً بعد آخر.. ومن ثم، في كل ليلةٍ من ليالي العرض المسرحي، يكون حصاده مضاعفاً، مؤثراً.. ومتاثراً.. كمن يبدأ الرحلة للتوِّ آخذا معه مشاعر مشاهديه إلى المتعه الحسية العليا.

بدأ رحلته الفنيه من مدينته الحلّة ( بابل ) التي تزدحم بالمبدعين والمثقفين والمفكرين  فقد نهض للدنيا متاثراً بخفة ظل والده المرحوم ( لطيف بربن ) الذي عُرِفَ باعتباره واحداً من شخصيات مدينة الحلّة الشعبيه التي كانت تجيد مهارة القول وتأويله، بل والسخرية منه.. وقد كان لتلك الشخصيات وجودٌ مؤثرٌ في الذاكرة الشعبيه..

وعلى اساس ذلك وجد ياسين نفسه ماخوذاً بما يمتلك من فطرة الممثل ليبدأ خطواته التي كانت تترسخ يوماً بعد آخر منذ بدايه رحلته إلى معهد الفنون الجميله، حيث بدأ رحلة أكثر وعياً بتأثير تصادم التيارات الثقافيه والفكرية والسياسيه آنذاك.. كذلك من خلال تطوير أدواته كفنان بعد أنْ انخرط في العديد من التجارب التي قدمها أساتذته أو زملاؤه في معهد الفنون الجميله.. ومن بين هذه الاعمال يقول استاذنا الدكتور عبد الإله كمال الدين عن تجربته: ”إخترته، ومجموعة خيرة من الطلبة، لتقديم مسرحية « يبا الساكن على التل» للودفيغ هولبرغ، التي عُرضت على قاعة معهد الفنون الجميلة في منطقة الكسرة ببغداد في كانون الثاني ١٩٧٠.. كنت، وأساتذة المعهد، نُراهن على مستقبل ياسين في المسرح العراقي كممثل متفرّد“..

إلّا أنّ رياح الصراعات وتقلبات الدنيا لم تات بما تشتهيه اجنحه المبدع ياسين لطيف بربن، ولا ما كان محبّوه وأساتذته يترقّبون له، فمحيطه، بما فيه من تقلبات، كان أكثر قسوة.. ووحشه.
ورُغم ذلك، بقي ياسين ما أنْ يعتلي خشبة المسرح حتى ينسى كل ما يُحيط به.. ويتالق فيبعث البهجة والمتعه.. ينسى وينتشي ويبدع، لهذا كانت أبواب العديد من الفرق المسرحية مفتوحةً أمامه فتنقل في أماكن عديدة واشتغل في اعمال مختلفه وعايش تكوينات اجتماعيه متعددة إلّا انه بقي خلال كلِّ ذلك الممثل المبتكر.. وهذا ما رشحه ليكون حاضراً في تجارب أبرز المخرجين العراقيين،سواءٌ في المسرح أو في المسلسلات التلفزيونيه أو الأعمال الإذاعيه، وليكون اسماً مهماً في أعمال الفرقة القوميه للتمثيل وخارجها بعد أن تعاون مع الفرق المسرحية الأهليه التي كانت تنشط في الساحه الفنية العراقيه تاركةً تاثيرها الجمالي والفكري على المجتمع العراقي .

عام 1993 وقبل أنْ أُغادر العراق.. كانت لي فرصة جميله للّقاء به ولمعرفته عن قرب بعد أنْ اخترتُه مع مجموعة من المبدعين لتقديم مسرحيتي « السرداب » على مسرح المنصور والتي كنت أنوي تقديمها إلى « فرقة المسرح الفني الحديث » كامتداد لأعمالي السابقة، كمسرحية « الرهن » ومسرحية «الذيب »، إلاّ أنّ تكالب المصاعب على الفرقة آنذاك حال دون ذلك. وحين قدمتها بالتعاون مع شركة بابل، على مسرح المنصور، كان لياسين بربن فيها وجودٌ ابداعيٌ رائع،( برفقة الفناني المبدعين الآخرين )..
كان سهلاً.. منساباً.. عميقاً..

كحقلٍ بابلي تزداد خُضرته عمقاً كلما توغلت فيه.

*عبدالأمير شمخي.. كاتب ومخرج مسرحي عراقي